نجاح الطائي

74

السيرة النبوية ( الطائي )

وهذا مدهش وعجيب إذ كيف ترفض المرضعات ابن عبد المطلب وهو حي يرزق ويسمى بسيد قريش وبيده السقاية والرفادة والقيادة . وهو رجل موسر له إبل كثيرة بارك اللّه تعالى فيها ، ولم يستول عليها إبرهة مثلما استولى على أموال سائر الناس ! وولد صلّى اللّه عليه واله وسلّم في عام الفيل « 1 » . ولقد أرضعته أمه يومين « 2 » فضجر عبد المطلب ( بعد انقطاع لبن أمه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ) وقال لعاتكة : لعله يقبل ثدي واحدة منهنّ ( نساء قريش ) ويرضعن ولدي وقرّة عيني ، فبعثت عاتكة بالجواري والعبيد نحو نساء بني هاشم وقريش ودعتهن إلى رضاع النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، فجئن إلى عاتكة ، واجتمعن عندها في أربعمائة وستين جارية من بنات صناديد قريش ، فما قبل صلّى اللّه عليه واله وسلّم منهنّ أحدا وبقين متحيرات . فخرج عبد المطلب مهموما وقعد عند ستارة الكعبة فدله عقيل بن أبي وقاص على امرأة عاقلة هي أفصح لسانا وأصبح وجها وأرفع حسبا ونسبا حليمة بنت أبي ذؤيب عبد اللّه بن الحارث . فبعث إليها عبد المطلب فقال عبد اللّه بن الحارث لا بنته حليمة : أبشري فقد جاءتك الدنيا بأسرها . فجاءت حليمة إلى عبد المطلب ووضعت ثديها الأيسر في فمه والنبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم لا يأخذه ، فأعطته ثديها الأيمن اليابس . فلما مص النبي الثدي الأيمن امتلأ فانفتح باللبن حتى ملأ شدقيه بأمر اللّه تعالى وببركته . ودفعه عبد المطلب إليها في بيت اللّه مع أربعة آلاف درهم بعد أن طاف به سبعا ، مع أربعين ثوبا من خواص كسوته ، ووهب لها أربع جوار روميّات وحلل سندس . ولم يبق في حي بني سعد صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب إلّا استقبلوا حليمة وهنّاؤها بما رزقها اللّه تعالى من الكرامة الكبرى « 3 » . لقد رفض محمد صلّى اللّه عليه واله وسلّم ثدي النساء إلّا ثدي حليمة فحسده رجال الحزب القرشي فقالوا : تنكبت عنه المرضعات إلّا حليمة !

--> ( 1 ) البحار 15 / 248 ، 287 ، سيرة ابن إسحاق 61 - 64 . ( 2 ) وقيل ثلاثة أو تسعة أيام ، تاريخ الخميس 1 / 222 ، السيرة الحلبية 1 / 88 . ( 3 ) البحار 15 / 344 - 347 .